mercredi 19 février 2014

أنا ومولود حمروش: أو عندما أشار بسبابته إلى "الفوق " وقال

..

كان ذلك في القرن الماضي، نعم في القرن الماضي لما ترشح بوتفليقة إلى الرئاسيات ومعه حسين أية أحمد وعبد الله جاب الله ومقداد سيفي ويوسف الخطيب وأحمد طالب الإبراهيم ومولود حمروش وقد أطلقت عليهم الصحافة آنذاك وصف "الفرسان الستة "
اتصل بي صديق ،وكان من ضمن "ستاف" السيد مولود حمروش، أخبرني أن "سي المولود " يرغب في لقاء جامعيين مستقلين لا انتماء حزبي لهم ،و لقد كلفه بذلك ، وأنه قد اختارني من ضمن مجموعة من الجامعيين المستقلين . .
قلت للصديق مازحا، يبدو أن صاحبك "سي المولود" متأثر ب"الكتاب الأخضر" الذي يقول "من تحزب خان" ،لهذا يرغب في لقاء من لا حزب و لا تحزب لهم .
لم أتردد في الاعتذار للصديق وكان يعلم أنني بعيد كل البعد عن مثل هذه النشاطات السياسية. كما أخبرته أن خضوري قد يسبب له إحراجا لما قد يصدر مني من كلام أو رأي "منفلت" أثناء الحوار .
لكن إلحاح الصديق وإصراره على حضوري جعلني أستجيب لطلبه" مكره أخاك لا بطل"
اللقاء كان في بيته المتواضع جدا ،إلى حد يثير الانتباه ، من شدة تواضعه .لم يكن يختلف عن أي بيت جزائري من الطبقة الوسطى، شكلا ومتنا، مثلا لم نجد فوق الطاولة "بونبونيار" أو زهرية ورد إنما وجدنا فوقها ثلاث "تارموسات" واحدة للقهوة وأخرى للحليب والثالثة للشاي وبجانبهم صينية بداخلها حلويات جزائرية شعبية تتكون من " مقروظ وشاراك" البعض منه مكسي وآخر عريان" أما سلوك وتصرف السيد مولود حمروش فكان سلوكا شعبيا جزائريا خالصا بكل ما تحمل الكلمة من دلالات ثقافية وأخلاقية .
لقد كان هو شخصيا من يتكفل بتقديم المشروبات و الحلويات و ليس زوجته التي لم نرها
استمر اللقاء عدة ساعات كان التركيز على إصلاحاته الاقتصادية. تدخل الزملاء من معهد العلوم السياسية ومن الإعلام حول قضايا مختلفة ،لكن الذي بلى بلاء حسنا ، كما يقال، كان زميلين من كلية الاقتصاد بخاصة أحدهم ،. تحدث بدقة كبيرة عن إصلاحات السيد مولود حمروش أثناء رئاسته للحكومة مبينا الكثير مما شاب تلك الإصلاحات من ثغرات وقدم عدة أمثلة على ذلك.
كنت أتابع الحوار ولم انبس ببنت شفة حتى بدا لي أن السيد حمروش تحرج من صمت هذا الصامت أو" الصامط " الذي لم يفصح عن هويته.
لما اوشك اللقاء على نهايته توجهت إلى السيد مولود حمروش بسؤال واحد، لكن كان لابد من مقدمة على طريقة أساتذة الفلسفة الذين كثيرا ما تستغرقهم المقدمات إلى حد تجعل الناس ينفضون من حولهم ولا يجدون من يحاورنه ولا من يحاورهم .
بعدما شكرته على الضيافة وحسن الاستقبال قلت أن هذا اللقاء يعد نشازا ، يشبه بيضة الديك لأننا في الجزائر لم نتعود على مثل هذه اللقاءات التي تجمع بين الثقافي و السياسي، بل هناك قطيعة حتى لا أقول عداوة بينهما، قاطعني، مؤيدا وموضحا، أنه لما كان على رأس الحكومة "كسّر " هذا التقليد وتعاون مع المثقفين وأسند لهم مهام ومسؤوليات .استعدت الكلمة منه وواصلت حديثي وقلت أن المسألة تاريخية ويبدو لي أن المثقف يتحمل جانبا كبيرا من هذ ا التنافر و العداوة

عدت إلى صلب الموضوع وقلت ،مخاطبا السيد حمروش، أن الزملاء تحدثوا وأبدوا ملاحظات حول الإصلاحات من الداخل ،إن صح التعبير ،لكن هناك جانب آخر وهو أن هذه الإصلاحات سوف تجعلك تصطدم مع قوى لها من القوة و النفوذ ما يجعلها تقف في وجه الإصلاحات وتشكل تهديدا حقيقيا ، وهم طغاة المال و الفاسدون الذين أصبح لهم أحزابا وإعلاما يدافع عنهم وعن مصالحهم كما لهم سند خارجي ،في الوقت الذي تعلن أنك مرشح مستقل بدون حزب قوي يدعمك ولا قوة شعبية منظمة تسندك و تقف إلى جانبك.
وهو ينظر إلي ويستمع بدا لي انه لم يتوقع هذا السؤال ،وما أكد لي ذلك جوابه الذي لم اتوقعه ولم يخطر على بالي، قال بالحرف و هو يشير بسبابته " الفوق أصبحوا يفرقون بين
danger و menace والجزائر اليوم في مرحلة menace ولهذا هم مجبرون على قبول الإصلاحات .
ونحن داخل السيارة متوجهين إلى وسط العاصمة سألني صديقي الذي دعاني إلى اللقاء عن رأيي في اللقاء .قلت له لا أحد ينكر استقامة ونظافة يد السيد حمروش، لكن ما سمعته منه بدا واضحا أنه يغرد خارج السرب ، لأن من أشار إليهم بسبابته ويتنظر منهم الخلاص هم الذين يشرفون على الفساد وهم من يوفرون الحماية للفاسدين، بل هم "الدانجي وهم الموناص ولا يوجد دانجي و لا موناص على الجزائر أكثر منهم".
تذكرت ذلك اللقاء وذلك الحوار مع السيد حمروش و أنا أتابع تصريحاته التي جعلت منها الصحافة اليوم حدثا كبيرا ،أما أنا فقد استخلصت ان السيد حمروش لايزال يشير بسبابته إلى "الفوق 


dimanche 2 février 2014

الوهابية :الوجه البشع لأزمة الوطنية الجزائرية


لا حديث داخل الأوساط الدينية إلا عن الانتشار الرهيب للفكر الوهابي الذي غزى مساجد الجزائر ما جعل وزير الشؤون الدنية يدق ناقوس الخطر ويجند الرأي العام عبر وسائل الأعلام ضد الخطر الداهم الذي يمثله هذا الوافد الدخيل على إسلامنا وتقاليدنا الموروثة و المكرسة تاريخيا .وذهب وزير الشؤون الدينية إلى حد الدعوة إلى" إسلام طني"
ومن أجل تحقيق هذه الغاية تم تنصيب  ما يشبه قيادة أركان حرب وأعلنت حالة الطواري واستدعت  وزارة الشؤون الدينية علمائها على عجل ورسمت استراتيجية  من أجل الاختراق والتصدي  ومواجهة الإسلام الغازي ، أسفر ذلك عن تأليف مجموعة من الكراريس للرد على الإسلام و الوهابي حملت عناوين ملفتة مثل  "مشروعية الدرس قبل صلاة الجمعة " و "سنية حمل العصا في الخطبة " و " حكم قراءة القرآن جماعة على طريقة  الحزب الراتب "
لقد طبع من هذه الكراريس مئات الآلاف من النسخ و حملتها شاحنات على عجل، أسرت بها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وتم توزيعها على مساجد الجزائر ضمن حملة واسعة وشاملة ومستعجلة وكأننا أمام حملة مكافحة وباء طارئ حل بالجزائر وأهلها.
لا أحد من الباحثين المتابعين للشأن الديني كلف نفسه البحث و التنقيب عن ظاهرة انتشار ما سمى" إسلام و وهابي " وترك الأمر لوسائل الإعلام التي جعلت منه مادة للهجوم وليس للتحليل و انتهت إلى حملة عنصرية رجعية تلتقي في الجوهر مع الحركة الوهابية التي تسعى إلى العودة بالتاريخ إلى الوراء كل ذلك  كان من أحل تصفية حسابات تاريخية جعلت واجهته "الإسلام الصحراوي " "الإسلام والبدوي" "الإسلام المتخلف". دون أن يطرح أحد على نفسه سؤالا واحدا ، لماذا انتصر هذا الإسلام البدوي الصحراوي  المتخلف على إسلام  الحواضر إسلام الجامع الأخضر إسلام الشيخ عبد الحميد بن باديس التنويري العقلاني الوسطي المعتدل المتسامح  .
سمعنا بعض الأجوبة التي لا تفصح إلا عن كسل فكري واستسهال وتبسيط واختزال مخل حد الابتذال أجمعت على جواب واحد، المال السعودي ، وكأن  الشعب الجزائري  مجموعة من الدمى بلا تاريخ ولا خصوصية تاريخية ولا استمرارية تاريخية ولا تراكم  ثقافي ولا رموز ثقافية  ودينية ولا كرامة إنسانية  شعب يتحرك "بالريموت كونترول "
في هذه العجالة لابد من الوقوف عند مسألة على غاية من الأهمية و الحساسية و الخطورة وهي ،جدل الداخل و الخارج ، هذه المسألة إذا لم نحسن التعامل معها بجدية وعمق فإنها تقود على المستوي النظري وحتى المنهجي إلى نتائج خطيرة  وهذا ما يلمسه المتتبع  للسجالات حول ما اصطلح على تسميته  " الربيع العربي" حيث اختزله البعض و أرجعه إلى مؤامرة خارجية  وكأن الشعوب العربية قطيع يساق بعصا واحدة
الخارج لا يصنع الأحداث ولا يخلق الأزمات، الخارج يركب الأحداث ويمتطي الأزمات ،و الداخل هو الذي يوفر له شروط " المركوبية" وهذا ما عناه  المفكر مالك بن نبي بتلك الفكرة العبقرية " القابيلة للاستعمار " أي لما  تتوفر شروط  داخلية مثل الاستبداد و الفساد والظلم و القهر و الفقر والإذلال و الغن و الحرمان والاستهتار بالقيم الوطنية و الدينية و الإنسانية يجعل الشعوب تعيش الغربة في ديارها وتصاب بالوهن في تلك اللحظة يتمكن من انتهاكها أو مغار عابر سبيل .

إذا سلمنا بهده الفرضية ذلك يتطلب البحث عن الشرط او الشروط الداخلية التي وفرت المناخ المناسب الذي جعل الحركة الوهابية تيارا جارفا ينتشر بسرعة  وكثافة في ربوع الجزائر
  إن الشرط الداخلي يجد تعبيره الحقيقي في أزمة الوطنية الجزائرية وبعبارة قد تبدو للبعض قاسية، إن الحركة الوهابية هي الوجه البشع لأزمة الوطنية الجزائر 
 من هنا في تقديري يبدأ البحث الجاد


  


 



  


    

في "الشيتة" وسيكولوجيا الإنسان "الشيات"

  
"الشيتة " تعبير عامي قد يتعذر إيجاد مرادف مطابق في اللغة العربية يؤدي نفس المعنى والدلالة ،لأن مفردة شيتة  في المخيال الشعبي لها أكثر من بعد و معنى ودلالة ، فهي تشتمل على عدة صفات، فلا يكفي أن نقول مثلا أن مرادفها في اللغة العربية هو التزلف  الذي يعني التقرب بمهانة وإذلال
"الشيتة "تشمل المهانة و الإذلال وتشمل صفة أخرى  أيضا على غاية من الأهمية وهو التلميع. الإنسان "الشيات " ، فهو من جهة يتقرب في ذل ومهانة ، وفي الجهة الأخرى يعمل على  تبيض   وتلميع وصقل صورة  " المشيت" له   حتى ينال رضاه ويقضي حاجاته .
كما تجب الإشارة أن "الشيتة " ظاهرة تاريخية فقد عرفتها جميع المجتمعات المتقدمة منها و المتخلفة ولا تقتصر على شعب معين أو بثقافة معنية ،وسوف تستمر عند البعض كسلوك ومذهب في الحياة ، وهي لا ترتبط بشريحة اجتماعية دون غيرها ، فقد يكون" الشيات" مثقفا كبيرا أو خطيبا مفوها أو شاعرا فحلا ،وقد يكون مواطنا بسيطا أجبرته قسوة الحياة وجبروتها على التزلف" وضرب الشيتة".
 ما يجب الوقوف عنده و التشديد عليه ،أن الشيتة  تختلف عن" الواسطة"  ولا مجال للمقارنة بينهما فقد يبحث الإنسان عن واسطة بخاصة في المجتمعات المختلفة من أجل تخطي العراقيل و الممارسات   البيروقراطية وقد يضطر إلى تقديم رشوة في سبيل قضاء حاجة  دون ان يوصف ذلك السلوك ب "الشيتة " التي هي شيئا أخرا ،لكنها تظل مرتبطة بأفراد  محدودين  ولا تتحول إلى ظاهرة اجتماعية  مثل الرشوة أو الفساد أو نهب المال العام ،فقد  نصف مجتمعا أنه فاسد أو مرتش حيث تصبح  الرشوة و الفساد ظاهرة عامة ،لكن ذلك لا ينسحب على "الشيتة" فلا يوجد مجتمع كله من الشياتين وإلا اندثرت قيم  الشرف و الاستقامة و الرجولة و النزاهة و الحق و الخير و الجمال .
عرّفنا "الشيتة "بوصفها تزلفا وتقربا يكسوها الذل والمهانة من أجل تحقيق مصلحة أو نيل حظوة، فمن هو الإنسان "الشيات" ؟ وما هي سماته؟ ،هذا يقودنا  إلى سؤال أعمق :هل "الشيتة" جانب أصيل في الإنسان أم مكتسب ؟،هل يولد الإنسان وهو مزود بهذه الصفة أم قسوة الحياة وجبروتها  هي التي تجبره على "ضرب الشية" مكرها وليس طوعا ؟
ليس سهلا الحسم في هذه المسألة" الأنطولوجية " التي قد تقودنا إلى نوع من العنصرية ،لكن تجارب الحياة تخبرنا انه يوجد نوع من بشر ،وليس كل البشر، يتحلون بهده الصفة ولا يعرفون وليس بإمكانهم العيش بدونها.
إذا لجأنا إلى البرهان بالخلف نقول أن" الشيات" ليس هو الانتهازي ولا الوصولي، هو كذلك وأكثر من دلك ، لأن الانتهازي أو الوصولي يستعمل ذكاءه وكفاءته من أجل تحقيق مصلحة شخصية ضيقة وقد لا يصل به التنازل إلي " مرحلة " الشيتة  التي هي أعلى مراحل الانتهازية و الوصولية التي يجوز وصفها بمرحلة "الرخص" بدلالاتها الشعبية    .   
إن  الإنسان الذي  يلجأ إلى الشيتة  ،وهي الوسيلة الأخيرة و الرخيصة  ،بل ذروة الرخص ،يستعملها كأداة وسلوك ونمط حياة ،في هذه الحالة  يكون قد أعلن القطيعة النهائية عن منظومة  قيمية  وبنية نفسية واستبدلهما بأخرى مغايرة تتجلى على صعيدين  يتعذر حضور أحدهما دون الأخر ،صعيد    خارجي  وآخر داخلي، الأول الخارجي يفصح عن انهيار المنظومة  الأخلاقية مثل الاستقامة والشرف و الرجولة و الوفاء ،و الداخلي يفصح  عن انهيار البنية النفسية ويكشف عن شخصية غير سوية حتى إذا  أظهر العكس ،لأنه قد يكون الإنسان "زوالي وفحل " كما تقول الأغنية الشعبية  لكنه يتعذر كثيرا  أن يكون الإنسان "شيات وفحل " .  
إن من يجعل الذل و التذلل و الرخص وسيلة للعيش  وأسلوب حياة ، يكون قد سقط اخلاقيا ونفسيا وتتجلى بشكل خاص  فيكثر في  تفكك نسيجه النفسي الداخلي ،ويكون فاقد الثقة في النفس وفي المحيط والناس فيلجأ، بسبب الجبن المتأصل ،وهي صفة مرادفة للشيات ،إلى  الحيلة والخبث و اللؤم والغش و الخداع و الكذب  و التدليس  في التعامل مع العالم الخارجي ،حتى مع أقرب المقربين .
هذه من سمات العبيد و ذهنية العبيد وأخلاق العبيد، حتى وهو يحمل أعلى الدرجات العلمية أو أعلى المراتب السياسية. لذلك لا غضاضة عنده في دخول سوق النخاسة ويتاجر بكل شيء وفي كل شيء حتى بكرامته وشرفه وعرضه وتتحول إلى سلعة للبيع.
في هذا المقام قد يسأل سائل هل الشيتة صفة" رجالية "  تستثنى منها النساء ، إنها صفة عامة تنسحب على الجنسين، فقط المرأة  لما تقرر ممارسة "الشيتة " تختزل الطريق و المتاعب و الجهود المضنية  وتستلقي على ظهرها في أول سرير  . 




samedi 19 octobre 2013

أنا ومصطفى سعيد : الثأر التاريخي المشترك . خواطر مبعثرة


      




كنت تلميذا في المرحلة الثانوية أجبرتني الظروف أن انتقل من العاصمة التي ترعرعت فيها إلى ثانوية تبعد عن العاصمة 500 كلم وفي كل عطلة أعود إلى العاصمة التي عدت إليها بعد سنتين غربة 
كنت في الحافلة  متوجها إلى وجهتي بعدما قضيت العطلة في العاصمة، كانت معي مجموعة من الكتب من ضمنها "موسم الهجرة إلى الشمال"  ولا زلت  أحتفظ بنفس النسخة  التي صدرت عن دار العودة ببيروت سنة 69 ، أما أنا فقط اطلعت عليها في منتصف السبعينيات .
الرحلة تدوم أكثر من سبع ساعات بعدما انطلقت الحافلة من قلب العاصمة انطلقت أنا أيضا في قراءة الرواية ولا أرفع رأسي عن صفحاتها إلا لأتذكر معلمتي الفرنسية في المرحلة الابتدائية كانت تدعى مدام  بيرو .
بعد استقلال الجزائر ،كان أبي أحد أبطاله و شهدائه، وبعد ما توفي أخوة لي أثناء  الثورة ،  التوفيق و هاجر ،حملتني أمي على أكتافها  التي كانت آنذاك تبلغ من العمر 25 سنة وهي من مواليد  37  توجهت بي  إلى العاصمة  عند أخوالي وعماتي، لا يزالون كلهم  أحياء
  في المدرسة بدأت أشعر بعالم غريب عني، الأطفال لا يشبهون أطفال قريتي ولا النساء يشبهون أمي التي كانت محجبة  أو ما كنا نسيمه الحايك  بينما نساء المدينة سافرات و بلباس  عصري. وما  كان يذهلني أكثر حديثهم كله  باللغة الفرنسية  مع أطفالهم  الذين كانوا  يردون باللغة الفرنسية كنت أسأل نفسي و أنا أتأملهم كيف تعلموا الفرنسية وهم صغار مثلي
نور الدين الطفل الصغير يتعذر عليه فهم الأسباب الحقيقية لهذه الفوارق الاجتماعية ، لكن كنت كلما لما أشاهد الأطفال بصحبة آبائهم أثناء خروجنا من المدرسة أسأل نفسي لماذا آبائهم ليسوا شهداء مثل أبي ؟كنت الوحيد  الذي   يعود إلى منزل عمته   وحيدا بدون  صحبة أب بدون أن يمسكني أبي من يدي
كنت أبكي لحالي و لما أعود إلى المنزل كثيرا ما كانت تسألني والدتي وعمتني عن سبب البكاء وفي كل مرة أنكر أني بكيت رغم الدموع واحمرار العينين .
 رغم تفوقي في الدراسة لم اندمج مع محيطي  الجديد، بدأت اشعر بمعاملة خاصة من  معلمتي  الفرنسية  مدام بيرو ،لا زلت اذكرها إلى اليوم ، كما لازلت  أذكر ملامحها كأنها  تقف أمامي  كانت طويل القامة  ممشوقة القوام شعرها  حالك السواد  لا ينافسه في سواده  إلا عينيها  ورموشها الطويلة كيف أنسى  معلمتي التي رافقتني كامل المرحلة  الابتدائية 
كنت دائما أسأل نفس لماذا تهتمي بي بشكل خاص ولماذا عندما تنادي على التلاميذ تتوقف عند   أسمي ثم تنظر في دفتر المناداة. يبدو أنها كانت بعدما تقرأ الاسم و اللقب تتوقف عند خانة وظيفة الأب ما جعلها تتعاطف معي .
 كانت المدرسة على الطريقة الفرنسية شكلا ومتنا بناية المعلمين جزء تكويمي للمدرسة كانت معلمتي من حين إلى آخر تصحبني معها إلى بيتها كانت تعاملني بنفس صرامة وجدية  المدرسة  فقط كانت تمسكني من خدي  عندما اخطي في اللغة الفرنسية. .تعلمت كيف   أغسل يدي قبل الأكل، تعلمت كيف  أجلس وكيف أمسك الشوكة والسكين  وكيف امسك   قطعة الخبر  وكيف أغسل يدي بعد الأكل  كل ذلك كانت تحت   رعايتها" السامية"  
 تلك العناية الخاصة لا أعلم سببها الحقيقي هل يعود ذلك كون معلمتي ليس لها أولاد أم يعود إلى كوني ابن شهيد لأن الكثير من الفرنسيين الذي بقوا في   الجزائر بعد الاستقلال إما كانوا متعاطفين مع الثورة الجزائرية أو مشاركين فيها
كان مسيو بيرو حاد الطبع  طويل القامة  كما كانت لحيته الكثيفة  تخيفنا  لم يكن محبوبا في المدرسة كما كان لا يرتاح إلى وجودي  قي بيته كانت مدام بيرو لا تتعاطى  معه وكأنه غريب  يبدو  أنهما كانا على خلاف. ظلت  مدام بيرو  ترعاني  مثل ولدها تماما ،وظل مسيو  بيرو لا يرتاج إلى وجودي في بيته
مع   مرور الزمن و سنة إلى سنة  كبر الطفل نور الدين  وكبرت عناية مدام بيرو التي ظلت تعاملني  مثل ولدها إلى آخر لقاء بيننا في نهاية المرحلة الابتدائية كما ظل مسيو بيرو  لا يرتاح لوجودي
 في هذه الأثناء دخلني إحساس مزدوج :الأول تجاه مسيو بيرو  الذي كرهته بشكل كبير كما شعرت بقرب كبير تجاه  معلمتي وكأنها منافسة بيني وبينه . بعد نجاحي في امتحان  السنة السادة ابتدائي وانتقالي إلى الثانوية خارج العاصمة انقطعت الصلة بيني وبين معلمتي .
 كانت الحافلة تقطع المسافات وتلتهم الأرض وأنا منكب على الراوية التهم صفحاتها .
كانت مغامرات مصطفى سعيد تشدني وتذكرني بمعلمتي الفرنسية. لا أعلم أوجه الشبه بين مغامرات مصطفى سعيد النسائية ومعلمتي التي كانت تعاملني مثل ولدها، هل كنت أحمل لها حبا دفينا جعلني مصطفى سعيد أبوح به.
لم تهيمن  علي  شخصية أدبية  وتستغرقني مثلما استغرقرتني شخصية مصطفى سعيد . لقد قرأت   الرواية عدة مرات، وأنا تلميذ  في نهاية  المرحلة الثانوية  وأنا طالب في الجامعة
لما وصلتي رسالة وزارة التعليم العالي تخبرني بترشيحي لبعثة دراسية إلى فرنسا، وأنا اقرأ الرسالة تذكرت مصطفى سعيد ،تذكرت انتقام مصطفى سعيد ،تذكرت كيف كان مصطفى سعيد يذل   الاستعمار القديم داخل فراشه .كنت أقول " أنا جاي " يا بنات فرنسا، لكني أنا نورا لدين وليس  مصطفى سعيد، بيتي لن يكون وكرا للأكاذيب التي بناها مصطفى سعيد أكذوبة أكذوبة   لن  أرضي فضلوكم وغروكم وتكبركم، لن  انقل لكم الشرق  إلى الغرب، لن أفرش بيتي مثلما  فرشها مصطفى سعيد ب: الصندل و الند و ريش النعام وتماثيل العاج و الأبنوس و الصور والرسوم لغابات النخيل على شطآن  النيل وقوافل من الجمال تخب السير على كثبان الرمل على حدود اليمن  .
كانت المرة  الأولى في حياتي  تقف في وجهي والدتي الحاجة  خديجة بصرامة وحدة لم أعهدها منها من قبل ولاهي من طبعها عندما رفضت وبشكل حاسم التوجه إلى فرنسا
لما أقلعت بي الطائرة  نحو المشرق العربي وليس الغرب  وأنا شاب في بداية العشرينيات لم تكن الحاجة خديجة تعلم  أنها  عدلت عنوان" موسم الهجرة إلى الشمال" إلى موسم الهجرة إلى الجنوب  وأنقذت وحيدها من أن يتحول إلى مصطفى سعيد آخر    




   



samedi 10 août 2013

انحطاط أخلاقي:مصر ليست "رقاصة" في شارع الهرم




عندما بلعن جنرالا أن الطائرة الحربية الإسرائيلية التي اخترقت الأجواء المصرية وقصفت مواقع مصرية وبدقة، عندما يعلن وبدون أدنى حياء ولا تأنيب ضمير أن تلك الطائرة من تدبير الإخوان المسلمين ثم يرسم سيناريو مضحكا لتدبير الأخوان وهو يعلم أنه يكذب فهذا يكشف عن انحطاط أخلاقي كبيرا .
القاصي و الداني وحتى السياسي الحمار يعرف أن تلك الطائرة الإسرائيلية دخلت الأجواء المصرية بعد موافقة، لا أقول الجيش المصري الذي صنع معجزة العبور وكان مفخرة لكل العرب، إنما بعد موافقة من القيادات الانقلابية التي هي حاليا محشورة في زاوية ضيقة بعد تصرفهم الأحمق و غير المدروس وبعدما اكتشفوا أن الأمريكيين "مسحوا فيهم الموس" ؟
القاصي و الداني يعلم أن الانقلاب العسكري في الشقيقة مصر ما كان يحدث ولا يجرؤ أحد من العسكر ، ليس القيام به بل حتى التفكير فيه لولا الموافقة الأمريكية لأسباب تخص أمن إسرائيل بالدرجة الأخيرة ، بخاصة بعدما طمأنهم العسكر أن المسألة سهلة وبسيطة ويمكن انجازها في وقت وجيز. كما أن الأمريكيين كانوا على أتم الاستعداد أن يغضوا الطرف عن بعض المجازر إذا تمت المهمة بنجاح
لكن وقع ما لم يكن في الحسبان ولا خطر على بال عندما استفاد أخوان مصر من التجربة الجزائرية ولم يلجئوا إلى العمل المسلح .
لقد شاهدنا مرشد الإخوان بعد الانقلاب مباشرة في ساحة رابعة العدوية يؤكد على السلمية وقال تلك العبارة القوية " سلميتنا أقوى من سلاحهم "

قبل أن استرسل في الحديث وجب التنويه بخاصة لأصحاب الجمل الجاهزة أن كلامي خارج ولا صلة له بأي موقع دني، إنما دائما أسعى جاهدا أن أتحرر من الأوهام و الخيالات وارتبط أكثر بالوقع حتى إذا كان هذا الواقع ضد قناعاتي .
إن صمود الإخوان أكد حقيقة كبرى كنت قد أشرت إليها بعد عودتي من مصر في شهر مارس حيث قلت أن المعركة في مصر التي تبدو في شكلها بين الإخوان و العسكر، بينما في حقيقتها و جوهرها هي معركة بين مصر العميقة من جهة و الدولة العميقة المتحالفة مع أسياد المدن في الجهة المقابلة . من هنا نكتشف مدى إصرار فقراء مصر، فقراء الأرياف والمدن وبخاصة أبنا ء الصعيد وهم سكان مصر الأصليون الذين عاشوا تهميشا تاريخيا منذ حكم سلالة الفراعنة مرورا بحكم سلالات الأجانب المماليك وانتهاء بأسرة الحاكم الألباني محمد علي باشا الذين ورثوا مصر وشعب مصر وهو ما تشرحه تلك العبارة المدوية التي أطلقها ابن الصعيد الجنرال أحمد عرابي في وجه الخديوي توفيق الذي خاطبه قائلا " لقد ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما انتم إلا عبيد إحساناتنا " فصرخ في وجهه الجنرال الثائر بعبارته المشهورة " لقد خلقنا الله أحرار ولم يخلقنا تراثا أو عقارا فوالله الذي لا إله إلا هو لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم
المعركة اليوم في مصر بين من يرى في مصر إرث ورثه عن إبائه وأجداده وبين من لا يريد أن يظل متاعا وعقارا وتظل مصر "رقاصة "في شارع الهرم
Haut du formulaire
· 

samedi 6 juillet 2013

عندما يصبح تاجر الفياغرا شخصية وطنية





عندما يصبح تاجر الفياغرا  شخصية وطنية

قبل سنة تقريبا كنت أشاهد لقاء مع شاعر كبير على أحد الفضائيات  التي يملكها  تاجر الفياغرا المعروف جدا في الشقيقة مصر وهو أول من أدخل الفياغرا إلى مصر و الشرق الأوسط وبأسعار مدروسة حتى تصل إلى قطاعات عريضة من جماهير الشعب ولا تكون مقتصرة على الطبقة الوسطى بخاصة المتعلمة التي لها نشاطات واسعة في هذا المجال .
كان الشاعر يتحدث في قضايا ثقافية وكانت منشطة الحصة شابة جميلة جدا لها من السحر ولأنوثة والجاذبية ما يجعلك تهتم بها أكثر من اهتمامك بالشاعر وما يقوله الشاعر.
كانت الشابة تسأل و الشاعر يجيب إلى أن وصلت في أسئلتها عن الهاتف النقال أو الجوال فسألت الشاعر الذي كان يبلغ من العمر ثمانين حولا ،نتمنى له دوام الصحة والعافية وطول العمر، إن كان يستعمل الهاتف الجوال فرد الشاعر قائلا : آه طبعا طبعا استعمل الهاتف الجوال. بعدها سألته سؤالا  لا أعمل  إذا كان على درجة كبيرة من الجرأة أم الوقاحة و  لم بخطر على بالي أن تسأله  ، ليس لأنه لا يناسب سن الشاعر إنما لأنه كان على درجة كبيرة من الابتذال و الإيحاءات الجنسية التي تناسب المراهقين و المراهقات فقالت له" إذن عندك جو " ابتسم الشاعر ولم يرد، بعدها سألته عن رأيه في الهاتف النقال أو الجوال فرد عليها قائلا : القرن العشرين اخترع أهم اختراعين مافيهش زيهم على الإطلاق ، القرن العشرين اخترع الهاتف الجوال واخترع الفياغرا . 
هذه المرة لم استغرب بل ضحكت من أعماقي لجرأة الشاعر وشجاعته التي ليست غريبة عنه  
ولما الشيء بالشيء يذكر،أتابع  هذه الأيام  الحملة التي تقودها  أديبة وكاتبة جزائرية ضد الرجل العربي وضد نزعته الذكورية   وعن أنانيته  المفرطة التي جعلته يخترع لنفسه ،دون سواه" الفياغرا  
 لكي  يطيل عمره الجنسي ويتمتع بالحياة و النساء أكبر مد ممكنة .
 يبدو أن حنق وغضب  الكاتبة و الأديب الجزائرية وصوتها العالي وصل إلى المخابر الغربية لهذا أزف لها بشرى  سمعتها من صديق صيدلي أخبرني أنه تم اختراع فيغارا للنساء
 قد يسأل سائل  أين نحن من العنوان  وما علاقة الفياغرا بالشخصية الوطنية  ؟
في حقيقة الأمر ما ذكرني  بالفياغرا  وتاجر الفياغرا وفضائيات تاجر الفياغرا  ،هذه الحكاية  التي كدت أنساها، ليس بسبب إغلاق عسكر مصر الفضائيات ذات التوجه الإسلامي إنما تذكرنها لما كنت أتابع كلمة رئيس عسكر مصر فشاهدت تاجر الفياغرا من ضمن من سماهم العسكر شخصيات وطنية.
Haut du formulaire
Bas du formulaire

vendredi 5 juillet 2013

الشخصية المصرية من الفهلوة إلى التمرد : أو عندما يخطي عبد الباري عطوان




الحالة المصرية تحتاج إلى أكثر من افتتاحية وأكثر من مقال لأن الشقيقة مصر ليست حالة مصرية فحسب بل حالة عربية  بامتياز.  وهذا ما جعل جريدة" القدس العربي "  تخصص مساحات  للشأن المصري،
 اليوم  افتتاحية للسيد عبد  الباري  عطوان بعنوان "مصر في حاجة إلى مانديلا والإخوان يعيدون حساباتهم "   إضافة إلى مقال  تحليلي  للكاتب صبحي حديدي الذي اختار له عنوانا  ملفتا " العسكر في بر مصر :الجزائر  أم باكستان
ليس في نيتي الدخول في سجال لا مع هذا  أو ذاك  لأن مقال السيد صبحي حديدي لم أر فيه إلا تصفيف جمل .جمل وراء جمل ،وجمل تلاحق جملا ،وجمل  تزاحم جملا . ولم اخلص إلى نتيجة ولا رأي واضح.
أما افتتاحية السيد عبد  الباري عطوان فلا جديد فيها فهو يعيد ويشرح نفس ما قاله أمس وقبل أمس .و الشيء الوحيد  الجديد  في الافتتاحية هو  العنوان الملفت  الذي يطالب فيه السيد عبد الباري  ب "مانديلا مصري ".
لا اعلم لماذا العرب  دائما  يلجئون إلى  التقليد و التشبيه  الذي يسقطنا في أحد امرين ، إما المغالطة أو المماثلة  ولا يبتكرون حلولا من الواقع  الملموس الذي تكون له دائما  خصوصية  تختلف عن هذه التجربة أو تلك  .
لتأخذ دعوة  السيد عطوان إلى مانديلا مصري ، وهنا نسأل  أين أوجه الشبه بين الحالة التي كانت  تعيشها دولة جنوب إفريقيا ودولة مصر .جنوب إفريقيا كانت في حالة  استعمارية تحولت إلى "أبارتايد" إلى تميز عنصري " الرجل الأشقر المحتل ضد الرجل  الأسود ابن البلد .بينما مصر تعرف صراعا اجتماعيا بين مكونات المجتمع الواحد
 هذا الصراع إذا  تجاوزنا بعض  التوصيفات التي تلامس العنصرية  التي  أملاها  الشحن الإعلامي الذي جعل احد  جنرالات مصر المتقاعدين يدعى سويلم   يصرح أن 0 3 جوان  هو انتصار الفراعنة على الغزاة
قلت إذا تجاوزنا  هذا الشطط في الكلام الذي يفصح عن ضعف فكري مفجع   وجهل كبير بحقائق التاريخ  وطموحات الجغرافبا ، ما يتطلب  التصدي له بقوة وحزم  وصرامة وبلا  رحمة و لاشفقة  من أن  أجل تصحيح  الأحظاء  وتصويب  الوعي الزائف  الذي اصاب الكثير .
إذا تخطينا كل ذلك الشطط و" الهبل"  فإن مصر على مستوى  التقدم التاريخي هي بصدد  إعادة صياغة تاريخنا الذي استمر على وتيرة واحدة منذ 7 ألاف سنة   وما ترتب عنها من ذهنيات مثل تلك التي وصفها القرآن الكريم " فاستخف قومه  فأطاعوه "
اليوم مصر  ،رغم كل الأخطاء تتمرد  على  7 آلاف سنة من  الخضوع و الخنوع ، كما تتمرد على ستين سنة من استبداد  العسكر وحكم العسكر  كما تتمرد  على  كل من  يحاول الاستخفاف بها وبعقلها وتسعى من خلال ميادينها التحريرية أن تصنع تاريخا جديدا يجعلها  تتحكم في مصيرها  وتحدد أفاق مستقبلها
 وإذا كان بعد هزيمة 67 ظهرت دراسات تحاول  الكشف عن مكنونات الشخصية المصرية  التي قادت إلى الهزيمة  ووجدتها فيما أطلق عليه في دراسات كثيرة  وكتب متنوعة  صدرت في هذا الشأن  تصف الشخصية  المصرية  ب "الفهلوة .
أما اليوم بعد ثورة 25 جانفي وما تلاها ، فإن المطلوب من المفكرين و الباحثين وحتى الإعلاميين تجاوز السطحي و المؤقت و العابر و الغوص في الأعماق و الكشف عن هذا  التحول في الشخصية المصرية من الفهلوة إلى التمرد 


mardi 2 juillet 2013

الانحياز إلى الشعب: إلى جمهورية مصر العربية أم إلى جمهورية القاهرة ؟




مفردة الشعب أكبر مفردة هلامية وميتافيزيقية و تضليلية ،كما أنها  تخفي حقائق أصبحت من مسلمات العلوم الاجتماعية التي  تستعمل مفردة المجتمع وليس الشعب لأن المجتمع يتكون من أفراد  واقعيين  وجماعات ومجموعات وطبقات اجتماعية وشرائح اجتماعية  متنوعة  تكون عادة مختلفة في أهدافها وتطلعاته وثقافتها  وقيمها ومرجعياتها كما تكون متعارضة المصالح الاجتماعية والاقتصادية وقد يصل تناقض المصالح إلى حد التناحر والحرب الأهلية.
التاريخي يعج بالأمثلة التي تكشف أن جميع الثورات تقوم بها وتتصدرها طبقات اجتماعية تسهم فيها شرائح اجتماعية تكون لها مصلحة في ذلك. وأحيانا تكون الثورات نتيجة تحالف طبقات تجمعها مصلحة مشتركة
في الحالة المصرية يجمع كل الباحثين الجادين أن  النواة الصلبة للثورة المصرية وعقلها المدبر تكونت  من الطبقة الوسطى  المدينية و  بخاصة أبناء الطبقة الوسطى الذين ورثوا النضال من  الآباء  فحققوا لهم الحلم الذي  فشلوا في تحقيقه في الستينيات والسبعينيات.
لكن ما يجب التوقف عنده و التشديد عليه و التنويه و الإشارة إليه لكي يتسنى لنا فهم طبيعة الصراع العنيف الدائر في مصر، هو ضروة التوقف عند  خصوصية الطبقة الوسطى المصرية  التي لها علاقة  بتاريخ مصر وتنوعنه الثقافي والحضاري.
من  المعروف أن مصر حكمها الأجانب،قديما حكمها المماليك وحديثا  أسرة محمد علي باشا ذلك الضابط الألباني الذي  قدم  إلى مصر مع الجيش الانكشاري فأصبح حاكما لمصر ثم وورّثها من بعده إلى سلالته وذريته التي استمرت  قرونا تحكم مصر، ولم يتسنى لمصر أن يتولى حكمها  مصري إلا مع جمال عبد الناصر الذي يعد أول مصري يحكم مصر منذ الفراعنة .   
  هذه الوضعية التاريخية جعلت مصر يستوطنها الكثير من الأجانب وسلالات الأجانب مثل الألبان و الأتراك  و الشركس و الأرمن و اليونانيين وغيرهم من  الملل و النحل  الذين استوطنوا المدن  الكبرى  مثل الإسكندرية  التي كانت مدينة متروبولية حتى لا نقول أجنبية . ولازلت أذكر  أول زيارة إلى الإسكندرية وأول مطعم سمك دخلته كانت تديره سيدة طاعنة في السن ظننتها للوهلة الأولى سيدة يونانية لكنني  اكتشفت أنها من أصول تركية  كما أخبرتني.
 هذا فضلا عن الزواج المختلط بين المصريين والأجانب بخاصة أبناء  المدن وإذا أخذنا عيينة من أهل الفن  نجد أن الكثير منهم إما من أصول غير مصرية  مثل حسين  فهمي الذي يعود  إلى  أصول  شركسية  أو نتيجة زواج مختلط  مثل فتى الشاشة رشيد أباضه  مرورا بأنوشكا و ندى باسيوني  والكثير من أهل الفن غيرهم .
هذه الطبقات الاجتماعية ونخبها الفكرية والسياسية  التي تشكل منها أسياد المدن و الأرستقراطية  المصرية التي كانت  " تحتل "  المدن الكبرى، بدون شك بمشاركة بعض البرجوازيات  من السكان  الأصليين،كانت مستقلة في أسلوب حياتها ونمط معيشتها ونظرتها إلى الحياة  عن بقية المجتمع المصري إلى حد  أطلقت على القاهرة  أسم مصر وفي حقيقة الأمر كانت القاهرة هي مصر .
أما السكان الأصليين الذين يدخلون القاهرة و المدن الكبرى ، نسائهم يدخلونها شغالات عند الهوانم  و الرجال "بوابون" أمام العمارات  وحراس على الفيلات  وأسياد الفيلات. ومن يتابع المسلسلات المصرية والسينما يجدها تعكس وتكرس وتؤبد هذه الوضعية الطبقية  التاريخية  التي تجعل من الفلاح الصعيدي  ومن ورائه كل الصعايدة  موضع تندر و سخرية  وتهكم بلغت حد الاحتقار و العنصرية .
هذه "المشهد" الطبقي و العنصري غيرته الثورة فلم يعد ذلك الصعيدي الذي كان موضع تندر وسخرية الذي كان يدخل القاهرة ذليلا بوابا .لقد غيرت الثورة من وضعيته  الاجتماعية  فدخل القاهرة بعد الثورة وزيرا وكيل وزارة  ورئيس مجلس إدارة.
  وهذا هو جوهر وحقيقة الصراع في مصر بين طبقة وسطى جديدة قادمة من مصر العميقة من أنباء  السكان الأصليين الذين عاشوا التهميش  التاريخي  وهم حاليا كلهم عزيمة وإصرار على المشاركة في الحياة السياسية وأن يلعبوا دورا في حياة بلهم  ووطنهم . وفي الجهة الأخرى تقابلهم طبقة وسطى أخرى  تعودت أن  تكون  وحدها في الساحة  ولا تقبل المشاركة السياسية ولما شعرت أن قوى اجتماعية  جديدة  دخلت الحياة  بقوة وأصبحت منافسة لها بدأت  تنحت مفردات ومصطلحات مثل  أخونة الدولة   والمقصود بها  أبناء الشعب المصري والسكان لأصليين
وبشي من المبالغة  أقول أن المعركة الحالية في مصر ، هي  بين جمهورية مصر العربية وبين  جمهورية القاهرة وضواحيها. ولهذا  لا أعلم كيف تترجم المؤسسة العسكرية  كلمة الانحياز إلى الشعب هل تقصد جمهورية  القاهرة  أم جمهورية مصر العربية ؟







mercredi 26 juin 2013

" الدنيا الحلوفة بنت الحلوف" أو قيمنا وقيمهم


 

أمس الاثنين قطعت مسافة ألف (1000)كلم بين الذهاب و الإياب جنوبا نحو مدينة بسكرة. 
كان ذلك من أجل المشاركة في تشيع أحد الأقارب إلى مثواه الأخير.وصلت مدينة بسكرة قبيل العصر لأن أهل مدينة بسكرة يودعون موتاهم بعد صلاة العصر، وهذا يعود إلى طبيعة المنطقة الحارة ،عكس سكان أهل الشمال الذين يدفنون موتاهم عادة بعد صلاة الظهر .
لم أكن الوحيد الذي قطع هذه الرحلة الطويلة، بل عشرات مثلي قطعوها بسياراتهم ومنهم من جاء بوسائط أخرى مثل الحافلة أو سيارة الأجرة . التقى الجميع في بيت الفقيد استعدادا لنقله إلى المقبرة. لقد تصادفت مع البعض من أهل القرية ،لم التق بهم منذ فترة. كان اللقاء صادقا وحميميا وكان الجميع يسأل عن أحوال الجميع بصدق و ود ، هذا يصافح ذاك بحرارة كبيرة وآخر يسأل قريبه عن صحة قريب ثالث ،وآخر يعاتب آخر عن عدم السؤال عنه
لقد كانت لحظات تعبر بصدق عن حرارة التضامن الإنساني، ما جعل المناسبة تتحول إلى فرصة لتجديد وتعزيز صلة الرحم و القرابة و النسب وتسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي بين أهل قريتي.
بعد المشاركة في التشييع،كان ذلك حوالي السادسة مساء ، الجميع عاد من حيث أتى، وأثناء التوديع والافتراق كان الجميع يوصي الجميع تبليغ السلام  إلى بقية الأهل ،بخاصة إلى الأمهات اللائي  تحولن في هذه اللحظات الإنسانية  إلى خالات ،هذا يستحلف ذاك أن يبلغ السلام إلى الحاجة خضرة  وذاك إلى خالته الحاجة  فاطمة ويطلب منها" السماح"لأنه مقصر في زيارتها  وأخر، وهو يبلغ السلام إل خالته عيشة ويعتذر عن عدم زيارتها لها يحمل المسؤولية "الدنيا الحلوفة بنت الحلوف" التي أبعدتنا  عن بعضنا وقطعت صلة الرحم  وهي على وشك أن تحولنا إلى كفار الذين لا يصلون الأرحام .
وأنا أيضا طالبوني أن ابلغ والدتي الحاجة خديجة  السلام الحار  ويتمنون لها طول العمر والصحة و العافية كما كان  الجميع  بخاصة كبار السن  يرددون  نفس العبرات  وكأنها لازمة ، كانوا يطالبوني بالاعتناء بالوالدة لأنها" خسرت  عمرها عليك و رباتك وكبراتك   وقراتك ورجعاتك راجل و وليتك دكتور في الجامعة " .  

تعودنا أن نقول ،قد يسأل سائل، ولا نقول قد تسأل سائلة لأننا أبناء ثقافة ذكورية
أنا اليوم أشذ عن القاعدة وأقول قد تسأل سائلة أين نحن من العنوان ؟ أي قيمنا و قيمهم ؟ 
وأنا جالس في وسط المعزين الذين جاءوا من كل فج عميق وقطعوا مسافات طويلة وبعيدة حبا وطواعية لمشاركة أهل الفقيد حزنهم ومواساتهم في فقيدهم ، وأنا جالس  في وسط هذا المشهد الإنساني النبيل الذي غابت فيه المصالح و الفوارق الاجتماعية و الطبقية ،التفي الجميع على الحب و الوفاء  وصدق المشاعر الإنسانية وأظهر الإنسان أجمل ما فيه ولم بعد هناك فرق بين الطبيب و المهندس والأستاذ الجامعي و الفلاح و الموظف البسيط غابت جميع النعوت و الأوصاف، لم يعد هناك فرق بين "الميلود  "  ذلك الفلاح البسيط  الذي قدم من القرية  وبين ذاك المدير العام  لأكبر مؤسسة مالية على مستوى الجمهورية.
وأنا جالس أتأمل هذا المشهد الإنساني الرائع  الذي شحذه الإسلام ،هذا الدين الرائع  والجميل، بكل المعاني و القيم الإنسانية الذي يقوم على صلة الرحم وتعزيز روح الجماعة .في هذه اللحظة تذكرت      حكاية رواها لي صدق وزميل متخرج من الولايات المتحدة الأمريكية عن أحد أساتذته الذي كان يتهيأ لحضور ندوة فكرية ببريطانيا وفي أخر لحظة وهو على وشك أن يقل الطائرة وصلته برقية تفيد بوفاة أخ له . الأستاذ اتصل بشركة خاصة بدفن الموتى وطلب منها أن تتكفل بأخيه ثم حمل محفظته وحقيبته وتوجه إلى المطار نحو بريطانيا 

vendredi 21 juin 2013

القومية العربية بالعطر الفرنسي




وأنا أتابع لقاء جاك لانغ ، هذا المثقف الفرنسي و الفنان و الوزير عدة مرات على رأس أهم الوزارات، التربية و التعليم ثم الثقافة واستقر أخيرا مديرا لمعهد العالم العربي، وهي الصفة التي قدمته بها قناة الجزيرة في لقاء مع أحمد منصور .
وأنا أتابع اللقاء تذكرت الرسالة التي بعثها الجنرال ديغول إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة 67 حيث قلل الجنرال ديغول من هول الهزيمة وخاطب عبد الناصر قائلا: أن العرب خسروا معركة ولم يخسروا الحرب.
وبعدما أشاد الجنرال ،بالعرب وتاريخ العرب وحضارة العرب وأهمية العرب ، اقترح على الرئيس عبد الناصر إقامة حلف عربي أوروبي لمواجهة المد الأمريكي .
الجنرال العجوز وهو يخط الرسالة لم يكن يعلم أن هناك من يحفر قبره في السر ولم تمض إلا أشهر معدودات حتى جاءت أحداث ماي 68 وعصفت بالجنرال و بالديغولية التي كانت تحلم
بتقويض الهيمنة الأمريكية على العالم.
فرنسا بتاريخها العريق التي أهدت إلى العالم فكر الأنوار وتوجته بثورة غيرت وجه التاريخ العالمي، لا تزال تحلم بدور تاريخي بحجم ما قدمته إلى البشرية . لكنها في كل مرة تصطدم بعجرفة وخشونة " الكوباي " الأمريكي الذي يحول حلمها في كل مرة إلى كوابيس .
لكن الأمم الكبيرة و العظيمة والتاريخية لا تتسرب إلى قاموسها مفردات اليأس والاستسلام الخضوع و الخنوع والانبطاح،إنما في كل كبوة تعيد صياغة وعيها على أسس جديدة وإستراتيجية جديدة .
من يتابع السجالات في أوساط النخب الفرنسية في السنوات الأخيرة لا شك أنه لاحظ بداية تبلور خطاب يتجاوز الأطر الأيديولوجية الضيقة نحو تصور جديد حول الأمة الفرنسية ودورها التاريخي .
وهذا التوجه الفكري الفرنسي الجديد ليس مطلبا داخليا صرفا لقد أملته التحولات البنيوية العالمية
لكن وفي غفلة باغتها "الكوباي" الأمريكي باختراع جديد سماه"الربيع العربي " الذي هو صناعة أمريكية خالصة وبامتياز .
لكن فرنسا لم تندب حضها وتلطم خدودها مثل المرأة العربية التي "تزوج عليها راجلها " إنما هي الآن بصدد التخطيط من أجل ربط صلات جديدة مع قوى أخرى داخل العالم العربي بعدما تكشّف لها أن الإسلام السياسي أصبح من نصيب أمريكيا ولا أحد يجرؤ على منافستها في
ذلك .
في هذا السياق جاء تعين جاك لانغ على رأس معهد العلم العربي وقد كشف في هذا اللقاء عن مشروع متكامل لإعادة بناء معهد العالم العربي بل يطمح إلى تأسيس جامعة تعلم اللغة العربية و الثقافة العربية والحضارة العربية . كما كشف عن الرسائل التي وجهها الرئيس الفرنسي إلى جميع رؤساء وملوك العرب باستقبال مدير معهد العالم العربي. كما تبين أيضا انه سيكون بصحبته أثناء زيارته إلى بعض الدول العربية.
ماذا يعني كل هذا ؟ يعني أن فرنسا لن تترك الساحة العربية للأمريكيين ،كما أنها لن تعتمد على حلفائها التقليدين إنما تسعى إلى كسب أنصار جدد مثل الليبراليين و العلمانيين وبعض الأجنحة اليسارية المعادية للتوجه الجديد المدعوم أمريكيا
وهذا التوجه الفرنسي ليس جديدا لقد بدأته منذ فترة بخاصة في الجزائر لما راهنت على بعض النخب المعرية لكن يبدو أنها أصيبت بخيبة لما اكتشفت أنهم يتصرفون بذهنية "الأنديجان " وليس نخبة
Haut du formulaire


jeudi 20 juin 2013

السفيرة الأمريكية تخيب آمال إلهام شاهين



السفيرة الأمريكية آن باترسون سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة في لقاء اختارت له مكانا يثير أكثر من سؤال وهو مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الذي لا يذكر هذا المركز إلا ويذكر صاحبه الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بمواقفه السياسية المتناقضة حد التقابل منذ أيام مبارك .فكان يطالب الأمريكيين بقطع المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى مصر عقابا للنظام على عدم احترام حقوق الإنسان ، ومن الجهة الأخرى كان يؤيد توريث الحكم لأن جمال مبارك ،كما قال، مواطن مصري يتمتع بكامل حقوقه السياسية و المدنية ومن حقه الترشح لأي منصب بما فيه رئاسة الجمهورية 
وبعد مجيء الإخوان إلى سدة الحكم ناصبهم العداء وقام بتنظيم ندوات تصب في هذا التوجه كما نشر عدة مقالات نارية في الصحف المصرية لم يترك فيها لا شارة ولا واردة إلا وألصقها بالإخوان 
الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يحمل الجنسية الأمريكية وزوجته أيضا أمريكية صرح قبل مدة أنه على اتصال مع الأمريكيين وأنهم أخبروه أنهم ليسوا متمسكين بمحمد مرسي
هذا التصريح الذي استقبله الرأي العام المصري بالكثير من الاستغراب والكثير من النكت على طريقة الأشقاء في مصر . وكان الهدف منه تشجيع حركة "تمرد" على المضي في مسعاها لتنحية لرئيس مرسي 
ويبدو أن الأمريكيين غضبوا من تصريح مواطنهم سعد الدين إبراهيم الذي سبب لهم الكثير من الإحراج ،ولهذا وفي عملية إذلال واضحة طلبوا منه أن تكون ندوة السفيرة داخل المركز الذي يرأسه وبحضوره شخصيا ،
وفي هذا اللقاء وجهت السفيرة ، التي اشترطت عدم حضور الصحافة المصرية حتى لا يتم تأويل كلامها ، ثلاث رسائل الأولى :كانت موجهة لم ينتظر انقلابا عسكريا عندما قالت أن الجيش المصري تجمعنا به علاقة قوية . أما الرسالة الثانية فكانت موجهة لمن يراهن على الشارع لتنحية الرئيس مرسي حيث أعلنت ألا مقارنة بينه وبين مبارك الذي ظل 30 سنة في الحكم ،بينما مرسي جاء عن طريق انتخابات ديمقراطية 
أما الرسالة الثالثة فكانت موجهة إلى المتمردين بشكل مباشر عندما قالت"أن شغل الشارع لن يؤدي إلى الديمقراطية المستقرة، التي لن تتحقق إلا من خلال الانتخابات". 
وبجملة واحدة : السفيرة الأمريكية قالت كل واحد" يروح يشوف شغلو " بما فيهم إلهام شاهين، نعم إلهام شاهين و الله العظيم إلهام شاهين التي تخصصت في الهجوم على الثورة و الثوار ودافعت عن مبارك حتى "نشف ريقها " أعلنت قبل أيام أنها أجلت تصوير حلقات مسلسلها من أجل المشاركة في حركة التمرد

jeudi 13 juin 2013

طفي النور يا بهية




من تابع التصريحات و التصريحات المضادة بين القيادات العسكرية التي بلغت حد إصدار بيان من وزارة الدفاع، يكتشف أمرين اثنين  الأول ، يفصح  عن انقسام  وتشرذم داخل المؤسسة العسكرية وهو أمر    لم تشهده منذ الاستقلال. كما يكشف من جهة أخرى عن تدشين المعركة الانتخابات الرئاسية الفعلية.

 وكان أول من دشن هذه المعركة العقيد المتقاعد شفيق مصباح الذي جمع رجالا وعددهم من ضباط المخابرات المتقاعدين في ندوة جمعتهم ، ثم توالت تصريحاته ومقابلاته الصحفية فيما يشبه الحملة الانتخابية مقترحا مجلسا رئاسيا يقوده الجنرال اليمين زروال. وهذا المسعى لا يتحقق إلا بتطبيق المادة 88 من الدستور. 
لكن قبل أن يجمع العقيد أنفاسه فاجأته صورة الجنرال الآخر وقائد الأركان وهو يجتمع مع الرئيس،في إشارة واضحة و ردا قويا على اقتراح العقيد و من يقف وراء العقيد وكل من يلهث وراء الانتخابات الرئاسية المبكرة ، لينتهي الأمر ببيان وزارة الدفاع الذي كان واضحا ولا يحتاج إلى تعليق .
هذه الحملة " العسكرية " مهدت لها حملات" مدنية" سابقة مست رجال الرئيس المقربين جدا والتي كان الهدف منها ليس محاربة الفساد و الفاسدين،لأنهم في هذه سواسية كأسنان المشط ،إنما كانت رسالة إلى الرئيس شخصيا تقول أننا قادرون إن نصل حيث نشاء الوصول . ولما عبس وتولى جاءته الرسالة الثانية التي مست شقيقه واتهمته بالضلوع في الفساد  ونهب المال العام. 
هذه الحقائق تؤكد ما يتداوله البعض، في السر و العلن، عن الدور الكبير الذي قام به الرئيس بوتفليقة في شق اللحمة التي كانت تربط المؤسسة العسكرية .كما استطاع أن يعزل رؤوس كبيرة وفاعلة داخل المؤسسة كما قام بترقية ضباط موالين بخاصة في النواحي العسكرية التي لا تخلو من الجهوية 
هذه "التعديلات" رجحت الكفة لصالح الرئيس فأصبح من القوة و النفوذ ما جعله يلغي المادة 74 من الدستور تحت حماية وحراسة المؤسسة العسكرية . ولقد لخص هذا المسار وهذا التحول ، مقال عبد العزيز رحابي الملفت والجريء والقوي الذي كشف فيه عن شجاعة نادرة لما قال أن المؤسسة العسكرية لما سمحت بإلغاء المادة 74 تحولت من مؤسسة وطنية إلى مؤسسة أصبحت في خدمة النظام.
الكثير من المتابعين للشأن الداخلي يؤكدون أن ما قام الرئيس بوتفليقة من تعديلات في موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية عجز عنه جميع من سبقه وهو ما جعل العقيد شفيق مصباح يعترف بهذه الحقائق حيث وصف الرئيس بوتفليقة بأنه ليس
intelligent ولكنه tacticien 
وسواء أكان بوتفليقة "انتيليجان " أو "تاكتيسيان" فإن الجهة المقابلة تعرف أن انتصاره عليها، هو أو جماعته لا ينهي حياتها السياسية ومصالحها الاقتصادية فحسب إنما قد يقدمها قربانا للتقرب للجماهير ما يجعلها تعد "مالها ورجالها " ولهذا يجب ألا نستبعد أي خيار بما فيه الاحتكام إلى السلاح

lundi 10 juin 2013

بين الطلاق و الانفصال فوارق حضارية




الصحافة الأوروبية في تعليقها  على طلاق الرئيس الروسي بوتين  لزوجته  استعملت مفردة الانفصال ،فقالت بوتين و زوجته انفصلا، بينما الصحافة العربية استعملت مفردة الطلاق فقالت بوتين طلق زوجته. هذه المفردات ليست مترادفات لغوية إنما تفصح عن اختلاف كبير حد التقابل بين الثقافات و الحضارات.
إن مفردة الانفصال التي عبرت بها الصحافة الأوروبية لها مدلول يختلف عن مفردة الطلاق فهي تكشف عن ذهنية أخري مغايرة ،ذهنية تنطلق من المساواة بين الرجل و المرأة ، مساواة في الحقوق و الواجبات حتى  في مسألة الطلاق التي تكون اختيارا مشتركا بين الرجل و المرأة.
بدون أدنى شك ، قد يكون الطلاق رغبة أحد الطرفين لكن الحديث  في هذا المقام عن أسلوب و طريقة الطلاق الذي يأخذ شكلا ومظهرا، إن صح التعبير، حضاريا ديمقراطيا وشفافا.
أما الطلاق أو مفردة الطلاق فهي تنطلق من فكرة الأدنى و الأعلى التي تفصح عن الذهنية الذكورية وثقافتها المسيطرة ،فالمتعارف عليه في الثقافة العربية الإسلامية أن الطلاق يكون من جانب واحد ، من طرف الأعلى نحو الأدنى من الرجل إلى المرأة. و بسب هذه الوضعية الاجتماعية عادة ما يكون الطلاق ، ليس فقط غير ديمقراطي و غير شفاف بل غالبا ما يسوده الظلم و الإجحاف فينتهي في غالب الأحيان إلى ما يشبه  الدراما الإلهية ،كما تسوده الفضايح الأخلاقية والعداوات الاجتماعية  حتى بين العائلة الواحدة . بعدها تبدأ  الفضايح  و "المعايرة" وكشف الأسرار مثل تلك  السيدة  الجامعية و المثقفة وحاملة لقب دكتوراه  التي راحت تفضح زوجها على أعمدة  الصحف وذلك  بعد عقدين من الزواج .ومن المضحكات المبكيات أنها بررت  طلاقها بأسباب مضحكة ، تضحك الصغار قبل  الكبار.
هذه الذهنية كرستها الثقافة العربية الإسلامية التي تعطي "حق الامتياز " للرجل .وإذا توقفنا عند بعض المحطات التاريخية  نجد الخليفة علي بن أبي طالب وهو أكثر الخلفاء ثقافة وأعمقهم فكرا  وأكثرهم حكمة ،و من أطلع  على  نهج البلاغة يدرك ذلك ،لكن وفي نهج البلاغة لما يصل إلى المرأة يقول" المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لابد منها. علما أن عليا كان زوج فاطمة الزهراء بنت رسول الله. وإذا سايرنا الخليفة علي  ابن أبي طالب في منطقه فإن المرأة شر حتى لو كانت فاطمة بنت رسول الله.
حتى الفيلسوف و المفكر و الفقيه الماوردي وهو  يعدد الخصال التي يجب أن تتوفر في الزوجة  فهو لا يذكر مزايا إنما يؤكد على ما يحب  أنت كون عليه المرأة من دونية  حتى لا تكون أعلى من  الرجال .يقول الماوردي : ينبغي أن تكون المرأة دون الرجل بأربع  وإلا استحقرته ، بالسن والطول و المال و الحسب .
أما الحجاج بن يوسف الثقافي فلم يكلف نفسه بل أرسل أحد أعوانه إلى زوجته هند وقال له طلقها بكلمتين فمضى إليها وقال لها : كنت فبنت. لكن هند" ما كانتش وحدة معصب رأسها  ولابسة جبة ودايرة قردون" لقد كانت هند بنت أسماء، فحلة وعربية أصيلة  و"أخت رجال" كما يقول أهل الشام  فأجابته إجابة  ظل يتوارثها أحفادها جيلا وراء جيل ،قائلة: كنا فما حمدنا وبنّا فما ندمنا .
 



samedi 8 juin 2013

التمرد ليس فنا استعراضيا




الفنانة الاستعراضية شريهان التي انخرطت في الثورة بكل قوتها وجهدها ومالها.وظلت ترابط في ميدان التحرير مع الثوار رغم       وضعها الصحي . كما أفصحت عن مواقف صارمة وحادة ضد نظام مبارك وآل مبارك ما جعلها مادة دسمة لصحافة مبارك الفنانة شريهان انخرطت هذه الأيام في حركة "تمرد" وأعلنت  أنها ستنزل يوم  30 جوان إلى ميادين مصر للمشاركة في حركة  التمرد  التي تسعي إلى الإطاحة بنظام الحكم وإزاحة الدكتور محمد مرسي ومن ورائه جميع إخوان مصر  من سدة الحكم  وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة 
لقد ذهبت الفنانة الجميلة والجذابة إلى أبعد من ذلك حيث تبرعت بمنزلها ليكون مقرا دائما لحركة"تمرد"
من حق الفنانة الاستعراضية شريهان أن تتخذ المواقف التي تراها تناسب قناعاتها وتوجهاتها واختياراتها  وأفكارها ، هذا حق مطلق لا ينازعها فيه أحد، لكن ما  استوقفني في كل ذلك كلمة "مقرا دائما " هذا يعني أن التمرد سوف لن يتوقف عند حدود إزاحة الدكتور مرسي ومن ورائه حكم الإخوان وإنما سيظل حركة أبدية لا تتوقف
سواء صح أو لم يصح ما تناقلته  الصحافة المصرية عن "  المقر الدائم " وسواء أكان تهويلا أو سوء تعبير  و سوء تقدير ،فإن مصر مقبلة على عنف دائم إذا واصل  المغامرون  مغامرتهم  لسبب بسيط لأن الإخوان ليسوا مجموعة من الدمى ولا جالية أجنبية مقيمة في الشقيقة مصر يتم ترحيلها بقرار إداري أو  بحركة تمرد ،  الإخوان جزء أصيل من مصر  وقد  وصولوا إلى الحكم بطريقة ديمقراطية .وما لا يعلمه المغامرون  ويجب أن يعلموه و يتوقفوا عنده مليا أن تنحية مرسي لا يعني إلا شيئا واحدا أن مصر ستظل بدون رئيس ،كما أن تنحية مرسي سوف يعطي الشرعية  و المشروعية  للجماعات  الراديكالية  التي تملك  الرجال والمال و السلاح الذي تسرب من ليبيا بكميات مهولة في انتظار هذا اليوم لموعود  بفارغ الصبر  التي سوف يقدمه لهم المغامروت  على طبق من ذهب